الأرشيف الشهري: ديسمبر 2025

رَ أم رُ – رسائل لن تصل (2)

عزيزتي رَ هل تعلمين لما أضع الفتحة على أول حروف اسمك هنا؟

الليلة التي صعدت فيها روحك إلى السماء كنت أنا هُنا على الأرض أكاد أُجن من فرط وقع الخبر. لم استطيع النوم، شعوراً ظل يحثني على أن استعرض كل حساباتك الشخصية على الانترنت. وعلى عكس الكثير -ربما- لم ابحث عن صورك في هاتفي، حتى بعد تلك الليلة بأسابيع. كنت ابحث عن الكلمة. شعرت أنك ما زلت حية من خلالها أحسست أن الروح تدب فيك عند كل كلمة أقراها. أم أنها كانت تدب فيني أنا -لا أعلم-.

بدأت في تويتر مكاننا الأثير، أعادني بالزمن خمسة عشر سنة وربما أكثر. من عادتي بعد أن أنطق بمدة زمنية كهذة أقول “عُمُر” لكني هنا توقفت كثيراً بعدما كتبتها. لم أجرؤ أن اقول انه كان عمراً، بل مرت كلحظة بل ثانية. خمسة عشر سنة مدة قصيرة اقضيها معك. كان تويتر هو المكان الشاهد على تغيراتنا، قضينا فيه مراهقتنا المتأخرة ثم الشباب وانتهى -انتهى-. كانت نظرتنا قاصره ككل الشباب، كنا في قمة حماسنا للحياة مفرطين في التفاؤل نخطو خطواتنا الأولى في عالم الكتب نمتص كل ما نقرأ كاسفنجة، كما تحبين أن تذكري هذا دائما. ثم هدأت الشعلة وتوازنت النظرة وأخذنا الحياة بجدية أقل. لم نسقط في وعر التشاؤم أبداً. أعلم أنك في مرحلة تالية زهدتي في الدنيا أما أنا فلا، هذة مرحلة سبقتني بها وأوصلني لها موتك.

منشور رَ في رديت رداً على محزون يعاني ألم الفقد

أما “ريدت” تطبيقك المفضل، كان عزائي بعد وفاتك. قبل عامين كتبت رداً (الصورة في الأعلى) تواسين فيه محزوناً يبكي فقيده، كانت كلماتك في غاية اللطف مسحت عن قلبي حزني بطريقة غريبة. ترى هل كنت تعلمين أني سأكون أنا ذاك المحزون وستكونين انت ذاك الفقيد؟ لم تحبي الشكوى وترفضي أن تعيشي في الحزن، كنت اعلم ذلك. لم أكن اشكي لك كما اشكي لغيرك، كنت أصيغ مشاكلي كسؤال فلسفي أخلاقي نناقشه سويًا. وكنت أعود دائمًا وقد حلت عُقد كانت تعتصر قلبي. غرقت تلك الليلة في حسابك، أصور كل ما تقع يدي عليه. احتفظ فيه وأكرر قراءته أكثر من مرة وكأن ما كتبتِه سيرحل كما رحلتي! فتحت الصفحة الرئيسة لحسابك ثم ضمتت هاتفي وأغمضت عيني. “الحمدلله باقي لي من رَ شيء ما عرفته عنها، باقي لي من رَ كلام ينتظرني أقراه! الحمدلله هي ما انتهت باقي لي منها شيء!” ظللت أردد تلك الجمل حتى غفوت. تبدو الفكرة طفولية وغير منطقية الآن لكنها لم تكن كذلك وقتها؛ خلت الحياة من المنطق في تلك الليلة.

في الليلة التالية تذكرت انستقرام. وجدتك هناك كما كنت قبل سبعة سنوات؛ تركته قبل سنة واحدة من المرض. ألمني حسابك فيه وجدتك صغيرة جداً، ونابضه بالحياة. تصفحته سريعاً ووقعت عيني على منشور كان رائجاً وقتها. تحديتك فيه أن تكتبي عشرة حقائق عن نفسك، كنت ممتنه أن الله قدر لي اختيارك بالتحدي. كتبتِ فيه عدة حقائق عن نفسك وقد شدني منها هذة الحقيقة: أن من حولك ينطقون اسمك بطريقتين بفتح الراء وبضمها، وأنك تعلمين كل شخص وطريقته. حينها فقط اكتشفت طريقتي يا رَ.

سأظل اكتب لكِ حتى ألقاك يا حبيبتي في جنات عدن بإذن الله، أحبك.

عزيزتي رَ – رسائل لن تصل (1)

مر أسبوع على وفاتك! وأنا ثابته عند لحظة الفقد الأولى. اللحظة التي علمت فيها أنك لست في هذة الدنيا. لم تكن لحظة عادية، فقدت فيها الحياة لونها ولم تستعده حتى الآن. تبدو اللحظات بعدها بطيئة وغير منطقية. تمر الأيام كما هي! تشرق الشمس في ميعادها وتغرب في نفس الميعاد كما كانت سابقاً. يخرج الناس لأعمالهم كأن شيئاً لم يكن. لم تتوقف الدنيا للحظة! اعرف هذا من قبل ولكنه الآن يبدو في غاية الجنون.

لم يبلغني أحد بخبر رحيلك، قرأته في وجيههم قبل أن ينطقوه. رأيتهم فقط وبدأت أصرخ باسمك بأعلى صوتي. غاب كل شيء حولي. كنت احاول أن أراى أي إشارة منهم لنفي الخبر ولكنه قد وقع. هل حقًا يا حبيبتي ما حدث؟ فقدت صوتي بعدها، حاولت أن اسألهم متى كان؟ لكن حبالي الصوتية إنهارت كجزء من عالمي الذي تهاوى قبل لحظات، لم يخرج مني سوى وشوشة سمعوها بصعوبه.

بكيت، بكيت كثيرًا. طلبت منهم الذهاب لمنزلك الذي أحب، ولأول مرة يتوجس قلبي من دخوله. لكن خطواتي كانت تتسابق كنت افتش عن أي علامة تكذب الخبر. لم أجد! كان بيتك مزدحم و رأيتهم كلهم؛ رأيت أناس لم أرهم في حياتي و رأيت أناس لم أرهم منذ مدة ولكني لم أراك فيه! كنت أفتش عنك في وجوة أحبتك، أتلمس أسلوبك ونبرة صوتك. لم أجدك! كنت استثنائية ومختلفة، أشعر بالأسى لكل من لم يعرفك.

هل تعلمين يا حبيبتي، أجزم أنهم لا يعلمون مالذي فقدته برحيلك. كانوا يطلبون مني الهدوء و “لا تزيدين على أهلها” ولكني كنت أنا من أهلها! أنا أخصها وهي تخصني. عزائي أن أهلك يعرفون وأنت يا حبيبتي بالتأكيد تعرفين.

لا تزال كلمات المعزيين تتردد في أذني. “شهيدة بإذن الله” “المبطون شهيد، هي الحظيظة الحين ارتاحت من الدنيا وشقاها” “كانت تعبانة جداً موتها رحمه لها بإذن الله” “هذا طريقنا كلنا حنا ماشين عليه هي بس سبقتنا” “أهل البلاء يكونون في منزلة عظيمة يوم القيامة لدرجة إن الناس إذا شافوهم يتمنون إنهم قرضوا بمقاريض” “مكتوب عليها من كانت في بطن أمها” “هذا يومها وما أحد راح يتعدى يومه” “وين أهلنا اللي قبل كلهم راحوا” كنت اسمعهم فقط، أنا اعلم كل هذا، اعلمه! أنا مؤمنة بقضاء الله وقدره. اسمع التعزيات وأؤمن بمواساتها ولكن عقلي يعجز أن يستوعب أن هذة التعزيات عنك أنتِ.

هل تحفظين السر؟ أنا لم أستوعب رحيلك حتى الآن. اكتب هذة الرسالة بدموعي. عقلي يؤمن باستحالة وصولها لكن قلبي يأبى التصديق. كيف لا وإنتِ الوحيدة التي تعلمين بأمر مدونتي هذة! أتلمس رحمة الله في ذلك لأن بدونها قد افقد عقلي تمامًا.

هل تذكرين ما اخبرتني به بعد معرفتك بمرضك في أول سنة؟ كنت تحاولين تجنب الاجتماعات العائلية اعتقادًا منك أن حُزننا عليك بعد رحيلك سيكون أخف! هل تذكرين ضحكنا على فكرتك تلك! كنت وقتها أشعر بجنونك! لم أكن اتخيل أني سأفقدك أبدًأ. كنت قوية ومؤمنة وراضية فخيل لي أنك لن تموتي أبدًا، لكنك كنت تذبلين كشجرة! كشمعة تنطفي ببطء! لم أكن اعرف.

قريبتي الحبيبة وصديقتي في كل مراحل عمري، صديقة الطفولة والمراهقة والشباب وكم كنت أتمنى أن ترافقيني بالمشيب. كنت فارقه في كل شيء ترين الدنيا من حيث لا أراها، لك منظورك المختلف في كل المواضيع. كنت صديقه الفكر الوحيدة لدى، رحلتي وظللت أنا وفكري حائرين.