بين سحر التفاصيل الصغيرة ولعنتها

حين اشرع في كتابة تدوينة جديدة عني استحضر دائماً ما قاله أحمد أمين في مقدمة كتابه “حياتي”:

لم أتهيب شيئًا من تأليف ما تهيبت من إخراج هذا الكتاب. فإن كل ما أخرجته كان غيري المعروض وأنا العارض أو غيري الموصوف وأنا الواصف، وأما هذا الكتاب فأنا العارض والمعروض والواصف والموصوف، والعين لا ترى نفسها إلا بمرآة. والشيء إذا زاد قربه صعبت رؤيته، والنفس لا ترى شخصها إلا من قول عدو أو صديق. أو بمحاولة للتجرد تم توزيعها على شخصيتين: ناظرة ومنظورة، وحاكمة ومحكومة، وما أشق ذلك وأضناه.
ومع هذا فكيف يكون الإنصاف؟ إن النفس إما أن تغلو في تقدير ذاتها فتنسب إليها ما ليس لها، أو تبالغ في تقدير ما صدر عنها، أو تبرر ما ساء من تصرفها. وإما أن تغمطها حقها ويحملها حب العدالة على تهوين شأنها فتسلبها ما لها، أو تقلل من قيمة أعمالها، أو تنظر بمنظار أسود لكل ما يأتي منها؛ أما أن تقف من نفسها موقف القاضي العادل، والحكم النزيه، فمطلب عز حتى على الفلاسفة والحكماء.
ثم إن حديث الإنسان عن نفسه — عادة — بغيض ثقيل، لأن حب الإنسان نفسه كثريًا ما يدعوه أن يشوب حديثه بالمديح ولو عن طريق التواضع أو الإيماء أو التلويح، وفي هذا المديح دلالة على التسامح والتعالي من القائل، ومدعاة للاشمئزاز والنفور من القارئ والسامع. ولذلك لا يستساغ الحديث عن النفس إلا بضروب من اللباقة، وأفانين من اللياقة.

من الصعب جداً أن أتكلم عما يختلج في نفسي. أصدق فيما أقول ولا أقول كل الصدق، فان أنا عرضت بعضه افكر في العواقب دائماً، ثم ما الفائدة المرجوه من نشرها؟ قد يكون تخفيف من عبء بعض الأفكار والتخلص لو فرضياً من ثقلها. وقد يكون نشر للتجارب الإنسانية للمؤازرة والإحساس باننا سواء على اختلافنا.

بالأمس سقطت في ضعفي البشري من جديد، لا استطيع الافصاح عن تفاصيل الحادثة لكن عزائي أنها مرت سريعاً دون أن أبحر عميقاً في تساؤلات لا جدوى لها. تعصف بي تلك الأفكار من جديد وأنا امسك مذكرتي الجديدة لعام 2024 م لأضع لها الخطوط العامة ليسهل انتقالي إليها في العام المقبل. ما الفائدة من كل هذا؟ اعيش حياة لا تشبهني ولا اعلم طريقة أخرى للوصول لما أريد، عراقيل تفوق قدرتي على تجاوزها ومزيداً من الاستسلام والضعف والعجزوالكثير من البكاء والخوف. اتنبه من تلك الحالة لأشكر الله على ما وهبني في حياتي وعلى ما أنعم به عليّ في سنواتي السالفة ولكن قلبي مثقل.

في هذة الأوقات دائماً احاول النظر في التفاصيل الصغيرة لأن جزءاً مني يُوقن أن الحياة تكمن في تلك التفاصيل. هل انتظاري لموائمة الظروف هو خطة محكمه أم محاولة سيطرة فاشلة. لدي الكثير من النظريات التي أؤمن بها والتي تخرجني نظرياً مما أنا فيه واعلم أنها طريق الراحة، ولكن تطبيقها أصعب من تحريك جبل من مكانه. أعود بين الفينة والأخرى واتسأل عن قراراتي، أهذا ذكاء مني أم غباء؟ اعيش بالرضا حيناً وبالضعف حيناً آخر.

كتبت ما كتبت وأنا افكر في هوية تدوينتي هذة، عن ماذا أريد أن اكتب وأيقنت آخيراً أن الارتجال هو ما استطيعه الآن. هذا التفصيل الصغير يستغرق من وقتي الكثير من التفكير والتخطيط. البحث عن الكمال في كل التفاصيل هو مقبرة الكثير من خططي ورؤيتي لما أريد الوصول إليه، ومعه تقتل متعة التجارب الجديدة. مؤخراً فقط استطعت التغلب على هذا الموضوع جزئياً وتقدمت خطوات بسيطة في ذلك. اطلقت مشروع واحد وفشل، حاولت أن اطلق أكثر من مشروع ثم أوقفهن في مرحلة التخطيط لأني لا اعلم كيف اوصله لمرحلة الكمال. أظن أن هذا هو هدفي القادم، القفز إلى تجارب جديدة دون تخطيط. قد اضعها في سلسة من التدوينات هنا.

من هذة التجارب مثلاً بدأت اتعلم بعض الأطباق التقليدية لأنني أريد لعائلتي الصغيرة أن تحضى بوجبة دافئة في برد الشتاء. في الآونة الأخيرة تغيرت ذائقتي أصبحت لا أحبذ الطبخ الحديث بالصوصات مثل كريمة الطبخ، لا استشعر الدفء فيها. لم أكن يوماً من محبات الطبخ ولم أجربه قبل الزواج -ما عدا الحلويات والكعك بالطبع- لكن الأمومة تدفعني لعمل شيء لا ارغبه بحب لأجل فقط أن اسمع “لذيذ يا ماما” بأصواتهم. وبدأت بـ”المرقوق” كانت ناجحة بنسبة 75%، اللحم ناضج تماماً الخضار مستوى استوائها مناسب لكني لم أتقن التكنيك في وضع رقائق العجين مما أدرى إلى التصاق بعضها. لكن المهم هو الطعم الشهي الذي وصلت إليه، وتذوق ابنتي للخضار بشهية لأول مرة. كانت من أعظم نجاحتي الأسبوع الماضي. الطبق القادم طبق خاص بمدينتي الأم، ازداد حماس كل يوم لتجربة طبخه.

مع اقتراب نهاية السنة أعيد التفكير بطريقة كتابة الأهداف وطريقة إنجازها وقياسها، لأني أصبحت مؤخراً أقيس إنجازي بالتفاصيل الصغيرة التي نغفل عنها غالباً لأن أعيننا تنظر للهدف النهائي متناسين كل ما حوله. ليس لدي أي فكرة حتى الآن عن الاستراتيجية الجديدة ولكن سأحاول ما بوسعي لمحاولة إيجاد طرق لتطبيقها. كنت قد كتبت عن الأجندة التي استخدمها وطريقتي فيها هنا لمن يريد الاطلاع عليها.

بيتنا أم بيت أهلي؟

المكان: بيت أهلي، في غرفتي
الزمان: 30 سبتمبر، بداية العصر

النافذة مفتوحه تداعب ستائرها نسمات الخريف اللطيفة. وأنا هنا على الأرض أمامي حقيبتي سفر، ألملم فيهن أغراضنا -أنا وطفلي- المبعثره بأقصى سرعة لأغتنم الدقائق المتبقية مع أهلي. لا أعلم ما اعتراني في اللحظات التالية، شعور انتقال آني ذهب بي بعيدًا في الماضي. في لحظات فقط أحسست بأني أنا في الزمان السالف، أنا التي كنت اسكن هذا البيت ولست أنا من آتيته زائرة. تآمرت عليّ هبوب النسمات اللطيفة مع أشعة الشمس المنتشرة في الغرفة فجالت بي للحظات ثم أعادتني مع بقايا شعور بالحنين تضاعف حتى انفجرت دموعي وظلت تسكب حتى صالة الانتظار في المطار.
اعرف شعور الحنين لذكريات في الماضي ولكن هذة اللحظة كانت مختلفة، كأنني أعدت عيش إحساس لحظة قديمة من جديد فتضاربت مشاعري ما بين حنين إلى ماضي لن يعود وسعادة بعودة شعور حميم.
لا أبالغ عندما أقول أن جزء من سعادتي في زياراتي العائلية هي العودة للبيت نفسه، الجدران، و الأثاث، والغرف، والساحة الخارجية، والأشجار التي تحيط به من كل جانب. أحرص في كل مرة على إعادة بعث روتين قديم وهو الخروج بعد صلاة الفجر وحدي في الساحة الخارجية، اعيش اللحظات بكل تفاصيلها كالأصوات والروائح والوجود بحد ذاته على هذة البقعة المحببه إلى قلبي. لا اؤمن بـ “نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول” ولكني مؤمنة تماما بـ “كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل” هكذا كان وهكذا سيكون دائما.
لا اعلم متى بدأت اسميه “بيت أهلي” بدال “بيتنا” حيث لا يزال جزء صغير داخلي يحاول مقاومة هذا الأسم فجوارحي كلها تسميه بيتنا. يعز علي أن كلمة بيتنا أصبحت ترمز إلى موطن آخر مع أني احبه ولكنه ليس “أول منزل”. قد يبدو ما اقوله حالماً أو انني اعيش حالة رومانسية مع طوب و”اسمنت” وأنا لا انكر هذا أبداً ولا استغربه. أحب هذا البيت وأحب العود إليه مراراً وأحب زرع هذا الحب في أطفالي. فحماس العودة له والولوج من بابه كان شعوري وحدى في السنة الأولى ثم تلت السنوات بعدها وأصبحنا ثلاثة أشخاص -أنا وأطفالي- ندخل من نفس الباب بنفس الحماس والسعادة.

كعكة العصر امتدادًا لطقوس أمهاتنا

أي فترات اليوم هي المفضلة لديكم؟ كنت سابقاً أجاوب على هذا السؤال مباشرة وبدون تردد أن فترة الصباح هي الوقت المفضل لدي. رائحة الصباح، وجبة إفطار لذيذة أفكر فيها قبل النوم ليزداد حماسي للإستيقاظ، وبداية يوم جديد. حتى غيرتني الأمومة في هذا الجانب كما غيرتني في جوانب عده وأصبحت أرى أن كل وقت هو وقت يستحق الإحتفاء به وبطقوسه الخاصة.

الصباح وشعور البدايات:

لطالما كنت أحب البدايات في كل شيء، يشتعل حماسي لحظة اتخاذ قرار معين والتجهيز له والإنطلاق بسرعة عالية ثم ما ألبث حتى أبدأ تدريجياً بالهدوء والاستمرار عليه بتوازن والعودة للبحث عن بدايات جديدة. في البدايات فرصة جديدة للتصحيح والعودة باستعداد أفضل بفضل ما تعلمته من الدروس السابقة، في البدايات حماس التجربة الجديدة والتعرف على بيئة مختلفة والنظر عن قرب لتنوع العالم وتنوع المجالات فيه. أحب البدء في كتاب جديد، أول رفرفات لجنين ينمو، حماس الموظف أو الطالب الجديد، تحضير مقادير طبخة مفضلة أو وصفة جديدة، الهبوط في مطار جديد ووجهة جديدة، ومثل ذلك كثير.

مازلت أحب الصباح مع أنه اصبح أكثر ازدحاماً مع طفلة تخطو سنواتها الأولى في التعليم وطفل دارج -كما يُسمى في المصطلح العلمي-. لم يمضى سوى أسبوع ونصف منذ بداية العام الدراسي الجديد ولم يأخذ صباحي شكلاً واضحاً بعد، أصبحت مسؤولة عن طفلي الدارج فقط بالإضافة إلى العمل على مشروع والتخطيط لمشروعيين آخرين. عند الاستعداد للذهاب للمدرسة أحب أن أضع أذكار الصباح للأطفال ليساعد ابنتي على الحفظ والترديد خصوصًا ان المدرسة ليست بعيدة بما يكفي لنسمعه في السيارة.

الظهر وموعد الأحبة:

أما الظهر فهو موعد عودة طفلتي وعودة الحياة لمنزلي الصغير، ما بين الذهاب لإحضارها ومحاولة معرفة أحداث يومها متع ومسرات صغيرة. جربت الأسئلة التي وضعها مختصين للأطفال وانبهرت من سرعة إستجابتها والحماس الذي أبدته والذي قابله برود تام وتجاهل عند سؤالي نفس السؤال ولكن بأسلوبي أنا! يقول المختصون لا تسأل سؤالاً عاماً مثل “كيف كان يومك؟” أو “ما الذي حدث اليوم؟” حاول أن تجعل سؤالك مفصلاً ودقيقاً ليجاوب طفلك ويستجيب معك مثل “ما أكثر شيء جعلك تضحك اليوم؟” أو “من الذي ساعدك اليوم؟” وهكذا سيبدأ الطفل بالاستجابة و قص الأحداث المرتبطة بسؤالك وقد يتذكر أحداثاً أكثر يقصها أيضًا عليك.

العصر ورائحة الكعك:

أحب رائحة الكعك في المنزل لأنه مرتبط عندي بذكريات عزيزة، ,اريد أن اصنع لأطفالي ذكريات كتلك. فأعدت إحياء هذا الطقس امتدادًا لحنان أمهات التسعينات الميلادية وما قبل. نحب كعك البرتقال و كعك الفراولة والكريمة البيضاء وأحاول أن اعيد طقوس قديمة مثل إعطاء أطفالي أداتي الخفق ليأكلوا ما تبقى. استطيع أن اتصور تلك الأيام أمامي الآن وأنا انهي بقايا الكريمة اللذيذة. وبالطبع لا ننسى الكعكة الرخامية بتموجات الشكولاته والفانيلا، ولكن الكعكة المفضلة عندنا هي خبز الموز.

كل من يعرفني يتعجب عند معرفة أن الموز هو فاكهتي المفضلة أنا وطفلي الاثنين. نستهلك الموز بشكل يومي ونادراً ما يفسد عندنا الموز أو ينضج تماماً. عندما ينضج الموز يكون كطقس احتفالي لأننا موعودين بخبز الموز الشهي والذي يشترط نضج الموز ليزداد طعمه حلاوة. اتبع فيه وصفة أروى العمراني ولكن استبدلت الزبدة العادية بالزبدة البنية التي نقلت الطبق لعالم مختلف وأضيف مع الخليط قطع من اللوز لإضافة قرمشه لذيذة. بعد استخدام الزبدة البنية لم استطع أن اعدها بطريقتها الأساسية مرة أخرى. ولنستفيد من وقت انتظارهم أثناء أدائي لمهام صعبة على الصغيرين نستخدم جهاز عدنان معلم القرآن لمراجعة السور أو حفظ سورة جديدة، لاحظت حماس ابنتي للحفظ والترديد ازداد عندما اصبح روتيناً ارتبط مع نشاط الطبخ المشترك. وهكذا أصبح للعصر طقس محبب لي ولأطفالي.

المغرب والعشاء ما بين العمل والاسترخاء:

المغرب قصير جداً ووقته مزدحم بالكثير من المهام مثل الصباح، إعداد العشاء ثم تناولة والتهيئة للنوم. أجهز وجبة الـ lunch box وأعد ما يمكن إعداده ليحفظ لي بعض الوقت في الصباح. ثم بعدها كما يقولون -ولا اتفق معهم فيه- هو وقت الأم الخاص. أفضل أن اسرق لي بعض الأوقات خلال اليوم واطوع مهامي على وقت أطفالي. علمتني الأمومة إدارة المهام والوقت كما لم يعلمني إياه شيئاً من قبل.

الآن عندما أُسأل أي فترات اليوم هي المفضلة لدي؟ أجاوب كلها، وكل واحدة تزيدني حماس لما بعدها. ماذا عنكم؟ أي الفترات تحبون؟ وهل عندكم طقوس مختلفة لكل واحدة منها؟

ما معنى حياتي؟ وما معنى كل هذا؟

قد يكتب الله عليك أمرًا كنت تظن أنه لن يحصل لك أبدًا، تظن جهلًا منك أن هذة القصص تصيب الناس حولك فقط وليس أنت. تسمع بها تتعوذ من شرور تقلب الأحوال والأقدار وتمضي. حتى يحدث لك أمرًا يستدعي منك التوقف ثم تعلم أنك عبد من عباد الله ماضي عليك حكم الله كما هو ماضي عليهم. المثل المشهور عن الكأس نصف الممتلئ وتقسيم الناس لمتفائل ومتشائم بناءً على أي جزء من الكأس وقع نظر الشخص عليه يثبت أن هناك جانبين في كل كأس وفي كل قصة. أرفض رؤية جانب واحد على الأخر، هناك جوانب متعدده يجب أن نراها جميعها ولا نهملها لنستطيع أن نحكم على الأحداث حكم صائب ونعيش بواقعية. وهذا يقودنا إلى تقبل ما قد يحدث مستقبلاً ونجهز أنفسنا لذلك. أقول هذا وأنا أخشى القرارات لأنني أحب أن اعرف عواقب الأمور وأخاف من إنقلاب الأحوال، أحب الروتين وأخشى التغير. وكأنني أحصن نفسي بهذا من الأذى ولكن هيهات قدرك سيصيبك شيئت أم أبيت. علمت أن عليّ أن أربي نفسي على تقبل ما كتبه الله لي. أن اختار الرضا كرمًا وحبًا وعلمًا واعلم يقينًا أن في هذا الأمر خيرة لي لا اعرفها. وتربية النفس هذة تبدأ من قبل وقوع الحدث لأن ردة فعل الإنسان عند المصائب تنبع من إيمانه واختلاف ردات فعل الناس للمصائب تأتي من اختلاف أساس يرتكزون عليه لذلك “إنما الصبر عند الصدمة الأولى”.

جهلاً من الإنسان رأى الموضوع من جانب آخر وأراد أن يتحكم بقدره. اعلم أن المصاب كالغريق يتمسك في أي قطعة خشب يراها ولكن هوس التحكم في الأقدار وجذب ما يريد الشخص ما هو إلا ضرب من جنون. المسلم العاقل المتدبر لكتاب الله يعلم أن خير البشر نفى عن نفسه القدرة على ذلك فأين هو من خير البشر! قال الله تعالى “قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ“. هذة قاعدة يجب أن يأصلها المسلم في نفسه، لا يملك من أمره شيء إنما الأمر كله بيد الله ذو الجلال والإكرام.

ومن جهله أيضًا أنه يظن بنفسه القدره على استجلاب الخير واستحقاقه التام والغير قابل للشك في ذلك الخير، ورد الشر الذي يرأى أنه لا يستحقه عن نفسه! وكأن الابتلاء شر محض وقد قال الله تعالى “ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” وما هو إلا سنة من سنن الله في الخلق. ومن شروط هذا الإستحقاق أن يؤكد على نفسه كل يوم بتمام قدرته واستطاعته على الاعتماد عليها فقط -أي على نفسه- في ذلك! ويستطيع الإنسان الفطين أن يرى أننا في الأذكار نستعيذ من هذة النفس مرتين في اليوم كل يوم “أعوذ بك من شر نفسي” و “ولا تكلني لنفسي طرفة عين”. فأي استحقاق يتكلمون عنه، استحقاق يورد النفس مورد الهلاك والشر. ويظن أن العيش لا يحتمل إلا بوجود معنى لحياته! فلسفة غربية اتفهم سبب نشؤها بالغرب وانتشارها واستغرب من محاولة الإنسان المسلم أن يطبقها على حياته.

معنى حياتك كمسلم أن تعبد الله وأن تعمر الأرض بما يرضي الله، قال تعالى “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” الصلاة والذكر وقراءة القرآن هي كل من يهم في يومك كمسلم وهي الأساس، وأن ترعى الله في أمورك الدنيوية كإنجاز مهني أو دراسي. وليس العكس، أي أن نجعل الإنجاز والاحتفاء به مقدم على الطاعات والصلاة والأذكار وفي الحديث الصحيح “من كانت الدُّنيا همَّه ، فرَّق اللهُ عليه أمرَه ، وجعل فقرَه بين عينَيْه ، ولم يأْتِه من الدُّنيا إلَّا ما كُتِب له ، ومن كانت الآخرةُ نيَّتَه ، جمع اللهُ له أمرَه ، وجعل غناه في قلبِه ، وأتته الدُّنيا وهي راغمةٌ” وهذا ما يربى عليه النشء. أن دينه دين كامل، يعلمه ويؤدبه ويسن له أسلوب حياة متوافقه من فطرته. ما بين أوامر ونواهي وابتلاءات واختبارات حتى يلقى ربه. وكم من حمل سيسقط وراحة بال سيستأنس بها إن تعلم الإنسان حدوده وأدرك يقينًا سبب وجوده وعرف أولوياته وعاش وفقًا لذلك كله.

كل ما كتبت كان خلاصة بحث وتجربة وقراءة، ومحاولة مستمره لتربية وتهذيب نفسي. قرأت كثيراً في فلسفة معنى الحياة وأرشح كتاب الأستاذ عبدالله الوهيبي “معنى الحياة في العالم الحديث”.

منتصف يونيو

“تمر عليك أيام تتنفس من ثقب إبرة، مهمام متراكمة ومهام جديدة، وتمر بك أيام أقصى ما تحتار فيه هو لون الورد الذي تشتريه! والثانية زادٌ للأولى.”

يخطر ببالي كثيرا هذا الاقتباس من الرائعة نوف اليحيى، وأيامي هذة هي من الأيام الأولى. خُطط كثيرة وأيام مليئة بقوائم مهام طويلة أقوم بافراغها وإعادة ملؤها. وفي منتصف إنشغالي اسرق بعض الوقت لدرويش يحكي لي حكايته وأتوه معه في أفكاره، يحكي لي عن كل شيء. عن حياة الدراويش والعتبة عن أخيه ومصيبته، عن أبيه الطيب، عن صديقه الغريب، وعن إسحاق. عند قرائتك لرواية الدرويش والموت عليك الإستعداد للدخول في التفكير المفرط للشخصية الرئيسية للرواية. لم انتهي منها إلى الآن فلا استطيع أن احكم عليها حكم عادل ولكني متأكدة أن العمود الأساسي في بناء هذة الرواية كان التفكير المفرط (Overthinking).

أكثر ما يشدني في الروايات هي الشخصيات، وتركيبها وتعقيدها وحروبها الداخلية ومحاولة السيطرة على مشاعرها ومحاولة قراءة العالم من حولها. لذلك أحببت الدرويش لأنه صادق في وصف نفسه والتعبير عن أفكاره لا اعلم ما انتهى عليه ولكني انتظر. أحبببت بيير في الحرب والسلم وأندريه وناتاشا وماريه ونيقولا، لأنها شخصيات تطورت ولم أحب صونيا مثلاً. أظن انني لا زلت أعيش في رواية الحرب والسلم مع أني انهيتها في مارس تقريباً. وقد أخذت من وقتي بكل كتبها الأربعة مثل الوقت الذي أخذه مني نصف حكايا الدرويش! يوماً ما سأكتب تدوينه مفصله عنها.

ترتيب المكتبة كان من ضمن المهام لدي البارحة، عندما أحضر زوجي مجموعته من الكتب القديمة، اضطررت أن أعزل له صف كامل في مكتبتي وأقسمه حسب مجالات قراءته. انتهزت الفرصة لأُخرج مجموعة من الكتب لبيعها، وهذة أول تجربة لي في بيع الكتب. سأحكي لكم التفاصيل إذا قبلت عرض المشتري وأتممت عملية البيع. اعتقد أن سوق الكتب المستعملة بدأ يصبح رائج مؤخراً فالكثير من المتاجر الالكترونية للكتب المستعملة بدأت تمارس نشاطها التجاري. أتمنى أن تزدهر وتنجح هذة التجارة فلا مانع لدي من بيع كتب أصبحت لا تلائمني واتيح المجال لكتب جديدة.

لا أعلم كيف انتهى بي المطاف بالحديث عن الكتب والمكتبة، ولكنه منتهى حديثي غالباً. فكرت أن تكون تدوينة خفيفة سريعة ولا أريد أن أنهيها بدون توصيات، فعلمت أن خير ما أوصي به هو أول ما ابتدأت به. أنصحكم بمتابعة نوف اليحيى تقدم محتوى مختلف مدهش، محامية ومتحدثه رائعة وذات عقل وحكمه. توصي بكتب رائعة وأماكن بيع قهوة جيدة، وتبحث عن ألذ ماتشا في الرياض. والآن العودة لقائمتي.

ضياء وإنطفاء

تتبدل الأيام وتتبدل أحولنا معها نتقلب بين حماس مشتعل وإنطفاء تام. قرأت قبل فترة تغريدة يتسأل صاحبها عن حقيقة وجود ضوء آخر النفق؟ فكانت إجابتي أننا نترقب الضوء في مكان خاطيء، الضوء بداخلنا لا بآخر النفق. وأؤمن أنه تعبير حقيقي وليس مجازي، بداخل كلاً منا سراج يضي له عتم الليالي والأيام الكالحة.

طبيعي أن تمر أيام نشتعل فيها ضياءً ننهي قائمة المهام اليومية ونعرج على المهام المؤجلة، نشعر بأن يومنا رائع ولو كان مليء بالصعوبات، بل نراها تحديات تزيدنا حماس. نُبدع في رؤية النعم المحيطة بنا، نمتلي فيها ضياءً و نعكسه على من حولنا. ثم تمر علينا أيام لا نستطيع فيها إشعال السراج فضلا عن انطفائه في المقام الأول. تكون الأيام معها صعبة ثقيلة لا نرى شيء على حقيقته، لا نرى شيئاً أبداً كل ما حولنا غارق في عتمة الظلام.

عند الإنطفاء كنت أجزع من الوضع الذي صرت إليه، أحارب بكل قوتي لإشعال السراج مجددا فأصبح أنا الفتيل الذي يحترق. دائما تفشل محاولاتي وتتفتت كآخر قطعة من فتيل اعتاد الإشتعال. فتطول مدة إنطفائي وإن عدت تكون عودتي بحماس أقل. حتى صرت أرى بوضوح لحظات انطفائي وضيائي أراه أمامي كرسم بياني بين صعود وهبوط. لاحظته أول مرة عند تقليبي لمفكرتي في قسم المراجعة نهاية كل شهر ميلادي، وهو عبارة عن مجموعة من الأسئلة التي تتكرر كل شهر. تعلمت أنه كلما اشتد بي الضياء لزمتني أيام إنطفاء بعده ثم تعاود الكره مرات عدة. تعلمت أن لا أجزع عند انطفائي ولا أحارب المشاعر التي تجتاحني وقتها مثل الخمول والكسل لأني اعلم أنها تمثل نقطة إنطلاق جديدة.

الخروج من هذة الأيام يتطلب منا شجاعة اختيار الإنطفاء، يقتضى الأمر أن نستسلم فقط، ولا يعد الاستسلام هنا هزيمة بل بداية لانتصارات كبرى ومواجهة أقوى. فلماذا نخاف من الإنطفاء؟ هي مرحلة نريح فيها المحرك، هي مرحلة التزود بالوقود، مرحلة اكتشاف الذات والإنغماس في ملذات خاصة. وقد يكون هذا حافز رائع لمن يريد أن ينطفي للمرة الأولى، اكتشف وقودك. اسأل نفسك مالذي يساعد على إشعال فتيلك مرة أخرى؟ والقاعدة الرائعة هنا أن لكل منا وقود مختلف لسراجه، قد يكون وقت تقضيه مع العائلة أو قراءة كتاب أو الرسم أو طبخة جديدة أو التنظيف أو أعمال يدوية. اسمح لنفسك بالإنطفاء، اكتشف ذاتك وانغمس في ملذاتك.

ما بين الإهمال وفرط التربية

الكل يطمح أن يكون طفله الأول على الصف، وموهوب، وذكي، ورياضي، وقارئ، ومفوه، وحافظ للقرآن، وذا دين وأخلاق حسنة… الخ من الصفات التي لا يمكن أن يتصف بها شخص واحد لأن الكمال صفة إلهية. مع ذلك فإن هذا الهدف الغير واقعي هو هدف الكثير من الآباء والأمهات. ويجتهدون في تنفيذه إلى أن يصل بهم الحال إلى حالة شائعة عند خبراء التربية قرأتها في أحد الكتب وهي “فرط الأبوة والأمومة” أو Helicopter Parenting وكان لهذا المصطلح وقع خاص علي، أنا الأم لطفلين عمرهما أقل من خمسة سنوات. هذة الحالة هي فرط الاهتمام بالطفل وفرط التحكم بجميع جوانب حياته بهدف الحصول على أبناء مثاليين من الناحية الصحية والنفسية وذو إنجازات أكاديمية وعلى المدى البعيد إنجازات مهنية أيضاً. واحدة من سماتها المميزة أنها لا تقبل أخطاء الطفل وهذا يتنافى مع طبيعتنا البشرية حيث تعد الأخطاء جزء مهم من العملية التعليمية. شُغلت بهذا المطلح منذ قرأته أول مرة، وأردت أن اعرف كيف لفرط الاهتمام أن يؤثر بالطفل؟ وكيف يقارن أثر فرط الاهتمام بالإهمال وكيف أعرف إن كانت تنطبق عليّ هذة الحالة؟

لا أحد يستطيع إلقاء اللوم على الأهالي لأن هناك عوامل كثيرة تؤدي إلى تبني هذا الهدف الغير واقعي. المجتمع أصبح مجتمع إستهلاكي رأسمالي، يحث الأهالي على تحسين فرص الوظائف لأطفالهم! وهذا مثال مُشاهد غير مبالغ فيه. أحد المَشاهد مثلاً تعلم اللغة الإنجليزية قبل تعلم اللغة العربية لأن -بحسب نظر الأهالي- ستكون المنافسة في المستقبل على الوظائف أشد ضراوة منها الآن واللغة الانجليزية مطلب أساسي. التضخم في المعلومات التربوية في جميع قنوات التواصل الاجتماعي من أخصائيين وغير أخصائيين كذلك. سهولة مقارنة الأطفال ببعضهم البعض مع اختلاف خلفياتهم التعليمية والاجتماعية، مما يدفع الأهالي إلى مزيد من الاهتمام والرعاية وجدولة الكثير من النشاطات للطفل ونقصد هنا الإفراط فيها. وكأن الفراغ والملل أمر مهدد لمستقبل الطفل مع أنه على العكس تماماً، يزيد من قدرة الطفل الابداعية باختراع ألعاب تملى عليه وقت فراغه. كما أن المقارنة لا تقتصر على الأطفال فقط بل يقارن الوالدين بعضهم ببعض ويخافون من فشلهم في تحقيق أهدافهم المرجوه من الطفل. كل هذة الأسباب أدت إلى نشأة مصطلح فرط التربية.

عند بحثي عن هذا المصطلح اكتشفت أن علماء التربية قد قسموا التربية إلى أربعة أقسام كما يتضح في الصورة أعلاه، وهي مقسمه كسلسة من الأنواع تبدأ بالصرامة الشديدة وتنتهي بالاهمال التام. وهي مفصله كالآتي:

  • التربية السلطوية (Authoritative): وهي التي تفرض سيطرة الوالدين على الأبناء على جميع جوانب حياتهم وتأمل من الطفل تحقيق إنجازات عالية، وتهتم بإنجازات الطفل أكثر من مشاعره. قد ينتج من هذة التربية أبناء مطيعين ذو إنتاج أكاديمي مبهر ولكن في مقابل هذة النتائج تتأثر علاقة الأولاد بوالديهم، ويعانون من القلق، والخوف من الفشل، وضعف في مهاراتهم الاجتماعية.
  • التربية الحازمة (Authoritarian): وهي التربية العادلة التي من خلالها يستطيع الطفل أن يتواصل مع والديه بطريقة إيجابية لأنها تهتم بمشاعر الطفل مع ذلك هي لا تهمل الحدود المفروضه على الطفل فتتعامل مع اخطائه بحزم. ينتج من هذة التربية أطفال ذو ثقة عالية بالنفس، ومهارات اجتماعية ممتازة، وعلاقة وثيقة مع الوالدين أُسست من الصغر.
  • التربية المتساهلة (Permissive): هم أصدقاء أبنائهم ليس هناك حدود للطفل، ولا تتعامل مع أخطائهم بشدة فهي تهتم لمشاعر الطفل أكثر من اهتمامها بتقويم سلوكه. ينتج من هذة التربية أطفال غير مسؤولين، لا إنجازات أكاديمية تذكر، لا رادع لهم ولا أساس يلتجؤون إليه للتحقق من صواب أفعالهم.
  • التربية المهملة (Uninvolved): يوفرون حاجات الأطفال الأساسية مثل المأكل والمسكن ويهملون جميع الجوانب الأخرى. لا يأملون من أطفالهم أي شيء ولا يفكرون كثيراً في ذلك. ينتج من هذة التربية -وإن صح تسميتها تربية- أطفال بأمراض نفسية، ولديهم نقص في الثقة والأمان، ضعف مستوياتهم الأكاديمية، غير مسؤولين، علاقاتهم الإجتماعية سيئة.

وقد اتفق علماء التربية على أن التربية الحازمة هي أفضل الأنواع، وقد تختلف التربية لكل طفل عن الأخر في العائلة الواحدة وذلك لعدة عوامل أهمها الحماس في البداية، الثقافة والإطلاع، الخبرة، كثرت المسؤوليات.. الخ.

ولكن ما علاقة ذلك بفرط التربية؟ وأين هو من هذة الأنواع؟ فرط التربية لا يتعارض مع أياً منها -ما عدا التربية المهملة طبعاً لإنعدام وجود الاهتمام من الأساس- بل يكون عامل إضافي يختلف باختلاف الأهداف. فمثلاً فرط التربية في التربية السلطوية والحازمة تعني أن الوالدين يعملون جاهدأ أن يحصل الطفل على ما يردونه هم ويضعون أهدافاً ويمضون قدماً لتحقيقها. أما التربية المتساهلة فهم من يعملون جاهداً لكي يحصل الطفل على ما أراده هو. وفي كل الحالات يتدخل الأباء بشكل مفرط يؤدي إلى إنقلاب أهدافهم تماماً وفساد الطفل. ومن آثار الإفراط في التربية كما وصفتها مقالة قرأتها:

  • نقص الثقة وقل تقديرالذات.
  • غير قادر على التكيف مع التغيرات.
  • قلق.
  • شعور عالي بالاستحقاق.
  • جاهلين في المهارات الأساسية الحياتية.

نتائج مخيفة قد تختلف عن نتائج الاهمال ولكنها تتشابة من ناحية أنها نتائج غير مرضية وأطفال غير سعيدين. الحل برأي المختصيين أن نجعل الطفل يتعلم من اخطائه أن نجعله يعاني من نتائج قراراته أن نجعله يؤدي المهام التي يسمح له عمره بالقيام بها ونصبر عليه إلى أن يُتمها ويتقنها. علينا أن لا نتدخل دائما بل نختار الأمور التي نتدخل بها بعناية وهي الأمور التي تساعده على النمو واكتساب مهارات تفيده لا تقيده. بالنهاية أرى أن الخيار الأنسب والذي يجب أن نضع نصب أعيننا عليه هو خيار التربية الحازمة العادلة مع إعطاء أبنائنا مساحة لأباس بها من حرية تفيدهم لا أن تفسدهم.

As parents, we have a very difficult job. We need to keep one eye on our children now—their stressors, strengths, and emotions—and one eye on the adults we are trying to raise. Getting them from here to there involves some suffering, for our kids as well as for us

Dr. Gilboa

مصادر:

خمسة أشهر من العيش ببطء

في تدوينة هيفاء 7 مايو ذكرت مفردة «البطء» التي تفكر فيها كل يوم بشكل جديد فابتسمت على الفور لأني اخترتها لتمثل كلمة العام في مفكرتي أو ما يعني الطابع العام لهذة السنة. اخترتها بعد أن قرأت كتاب «في مديح البطء» والتي أوصت به بشدة نوال القصير وأشكرها على توصياتها الرائعة دائماً. اتذكر جيدا طريقتي في قراءة الكتاب لا أعلم أهو من تأثير العنوان عليّ حيث كنت أتناول مواضيعه ببطء ولذة عجيبة أنا التي كنت التهم الكتب التهاماً!

في فصول حياتي السابقة كنت أكثر انشغالاً وتشتتاً مني الآن، مع ذلك كنت استطيع تقريبًا السيطرة على قوائم مهام بقدر معقول. أما الآن بعد الأمومة أجاهد في السيطرة على قوائم مهام لا نهائية ومترامية الأطراف بكل المجالات ولا استطيع. أنا لا افتقر للإسترخاء لأني استقطع وقت لا بأس به عند نوم أطفالي ولكن المهام هي ما تؤرقني فما زال يعيش في داخلي ذلك الهاجس الغير مبرر لأنهائها كلها بسرعة وكأن موعد نهائي محدد لكل مهمة ماثل أمامي ويطاردني. حتى المهام التي استمتع بها مع الصغيرين مثل الاستحمام كنت اضعه في مفكرتي كمهمة يجب الانتهاء منها!

بعدما قرأت الكتاب ذهلت ببساطة الفلسفة التي يؤمن بها الكاتب أي فلسفة البطء. وشعرت باستاء لأني اطبق قانون التسارع على كل المهام، وشعرت باستياء أكثر لأني لا أتممها ثم لا أشعر بالرضا التام عن ما فعلت. شعور متواصل من تدني الإنتاجية وسوء التنظيم يطاردني كشبح. وهذا ما يحاول الكاتب أن يلفت نظرنا إليه ربط السرعة بالغضب.

هذا ما يقودنا إليه وسواس السرعة وتوفير الوقت. إلى الغضب في الطريق، والغضب في الأجواء، والغضب عند التسوق، والغضب في المكتب، والغضب في الإجازة، والغضب في صالة الرياضة. وبفضل السرعة، بتنا نعيش عصر الغضب.

في مديح البطء، كارل أونوريه

قررت الهدوء وإعادة كتابة قوائم المهام التي تطفو أمامي دائمًا وتشعرني بتدني إنتاجيتي لأني لم أتمها. وضعتها في قسم خاص بها آخر المفكرة كما أفعل بداية كل سنة عند اقنتائي مفكرة جديدة. خصصت بعضها لي وبعضها لزوجي وبعضها مهام مشتركة، نقوم بها سوياً أو يقوم بها شخص يكفي عن الآخر. المفارق في الموضوع أننا بدأنا بإنجاز هذة المهام هذة السنة مع أن هذة القوائم نفسها كانت تنتقل معي وتتضاعف على مدار السنوات السابقة. الاختلاف كان في فلسفتي في إنجاز المهام.

حين نخوض الحرب على عبادة السرعة، تكون خطوط القتال الأمامية داخل رؤوسنا. فسيظل التسارع الإعداد الإفتراضي حتى تتغير مواقفنا. علينا أن نتعمق أكثر. أن نغيّر الطريقة التفكير بها.

في مديح البطء، كارل أونوريه

حاولت أن افكر في الفلسفة الجديدة عند تحديد أهداف هذة السنة وكانت النتيجة مرضيه كأول محاولة للتغير. كما أن مخطط ال Passion Planner الذي ذكرته في تدوينتي السابقة ساعدني على تطبيق الفلسفة بسهولة. اعترف أنني فشلت في تحديد أحد هذة الأهداف ضمن فلسفة البطء وهو عدد الكتب التي أريد قراءتها هذة السنة. العدد كبير على الفلسفة الجديدة ولكن بعض الأمور تكون ضاربة في الجذور لا تتغير بسهولة. فلا بأس بالمرونة وبعض التنازلات.

في النهاية كشف الكاتب عن سر النجاج الذي تملكه حركة البطء، بأنها تروّج المتعة. أي أن مبدأ فلسفة البطء هو قضاء الوقت الكافي لإنجاز الأمور بالشكل الصحيح، وكذلك التمتع بها أكثر. وهذا ما لمسته واقعاً هذة السنة، فمع انقضاء خمسة أشهر من هذة السنة استطيع أن أجزم أنها فلسفة رائعة. فمعظم الأهداف أُنجزت، كما أنني استمتعت بالرحلة. والمؤشر الرائع لنجاحها هو اختفاء مؤقت العد التنازلي الذي كان ماثل أمامي طوال الوقت جنبا لجنب مع قوائم المهام اللامنتهية.

الـ Passion Planner في منتصف العام

قد يتبادر لذهنكم من يكتب عن المنظم اليومي/المفكرة في آخر شهر مايو؟! نصل لمنتصف السنة والموضوع الذي اود الحديث عنه هو المنظمات اليومية! في نهاية السنة الميلاية والهجرية أيضاً يكثر الحديث عن المنظمات وأيهن أكثر فعالية من حيث التقسيم، وتحتل مقاطع تقيم المنظمات المراتب الأولى في البحث. وينتهي الجديث عنها بعد النصف الأولى من شهر يناير وهذا متوقع وكنت أنوي الكتابة عنها في مطلع السنة ولكن فقررت أن اكتب عنها بعد مضي عدة أشهربعد أن عدلت في طريقتي التي استخدمتها في 2022 و 2021 لأرى أيهن أفضل.

في البداية يجب عليكم معرفه تاريخي في التخطيط واختيار المنظم المناسب، اكتب اليوميات منذ 20 عاماً تقريباً في نصفها الاخير بدأت في استخدام المنظم اليومي المقسم لجدوله المهام لا اعلم لماذا ولكني اعتقد ان حياتي الجامعية كان لها دور في بداية استخدامي لها. جربت عدة منظمات من مختلف العلامات التجارية طوال العشر سنوات السابقة، حتى أنني جربت استخدام ال Bullet Journal وطرقها المختلفة. حتى وقع خياري أخيرا على ال Passion Planner. هذة سنتي الثالثة التي استخدم فيها هذا المنظم بدأته من 2021 ثم 2022 والآن 2023 وهذا دليل كافي على جودته، يتضمن المنظم:

  • مخطط الأهداف.
  • تقويم للسنة الحالية والقادمة.
  • مخطط شهري يوجد به: قسمين مخصصات للمشاريع الأول للمشاريع الشخصية والأخر للعمل.
  • مخطط اسبوعي يوجد به: كل أيام الأسبوع مقسمه بالساعات، وقوائم المهام المفصله للمشاريع الشخصية وللعمل.
  • في نهاية كل شهريوجد مجموعة من الاسئلة التي تعنى بالنظر إلى الشهر المنصرم وتقييمه من ناحيه الدروس المستفاده منه بالاضافة إلى تقييم خطة تحقيق الأهداف.
  • في النهاية قسمين كل قسم مكون من 20 صفحة في الاول صفحات فارغه وفي الاخير صفحات منقطه للكتابة الحرة.

سمعت عن المنظم لأول مرة من المدونة نجلاء في تدوينتها “٣ أنواع من الأجندة اليومية -مقارنة” وكان من ضمن خطتي دائماً ولكن كنت أأوجله لارتفاع سعره. في سنة 2020 وعند البحث عن منظم للسنة المقبلة قررت أن أكافئ نفسي به بعد أن حققت درجة الماجستير تلك السنة. لا أخفيكم أنه وبالنسبة لشخص يفتقر للحس الفني راعني منظر المستخدمين له رأيت الكثير من الرسومات والطرق التي تكلفني جهد في استخدامه لكني طلبته على أي حال. في منظمي الأول لم استطع فهم طريقته جيدا ولكن بعد ثلاث سنوات اصبح من الممتع أن استخدم منظمي الشخصي كما أحب. وسأكتب لكم طريقتي في ذلك:

أولاً مخطط الأهداف:

  • الصفحة الأولى تساعدك على كتابة الاهداف التي تريد تحقيقها في حياتك كلها ومن ثم الأهداف التي تريد تحقيقها خلال 3 سنوات من الآن ثم التي تريد تحقيقها هذة السنة ثم التي تريد تحقيقها خلال أول ثلاثة أشهر من السنة، واعتقد أنها طريقة رائعة. تساعدنا هذة الطريقة على وضع الحد الزمني لكل هدف، فالأهداف بعيده المدى مثل الاستقرار المادي لا يمكن تحقيقه بسهوله خلال سنة ولكن إذا وضعناه في الخطة بعيده المدى يمكننا كتابة تفاصيل الوصول لهذا الهدف كأهداف في الأقسام الأخرى. مثلاً يمكنني كتابة “التعلم على تداول الأسهم” أو “عمل تجاري ناجح” أو “وظيفة براتب معين” في خطة الثلاث سنوات. ثم كتابة “إنشاء محفظة وبدء التداول” أو “اكمال أول طلب لمتجري الالكتروني” أو “الحصول على عدة مقابلات وظيفية” في خطة هذة السنة. ثم كتابة “البحث والتعلم عن الأسهم” أو “دورة تجارة الكترونية” أو “إعداد السيرة الذاتية وتحسين الحساب الشخصي في لينكدان” في خطة الثلاثة أشهر. نلاحظ أن التقسيمات ساعدتنا في تحديد أهداف واقعية سهلة التحقيق خلال مدة معينة.
  • الصفحة الثانية تلزمك باختيار أحد الأهداف التي تريد تحقيقها هذة السنة تحت اسم GAMECHANGER اي الهدف الذي يعتبر فارق كبيرعند تحقيقه ويحتاج للكثير من التخطيط والعمل. مثلاً “اكمال أول طلب لمتجري الالكتروني”. ثم تحديد الأمور التي تساعد في تحقيقه على أقسام وكل قسم ماذا يتطلب وكتابتها على شكل خريطة ذهنية. مثلاً التعلم عن التجارة الالكترونية ويندرج تحتها متابعة حسابات مهتمه في هذا المجال، التسجيل في الدورات. القسم الثاني تحديد المعالم الأولى للمتجر ويندرج تحتها دراسة جدوى للموضوع، اختيار المنتج، واختيار اسم وشعار للمتجر، إكمال الإجراءات القانونية. القسم الأخير تحديد المعالم الأخيرة للمتجرمثل إنشاء الحساب، طلب المنتجات وتخزينها، تصوير المنتجات، رفع الصور بعد تحديد الأسعار.

يفضل تحقيق ال GAMECHANGER خلال الستة أشهر الأولى، لأن بعد شهر يونيو أي عند منتصف السنة ستعاد نفس هذة الصفحات لمراجعة الأهداف بشكل عميق ومن ثم تحديد GAMECHANGER آخر للعمل عليه في النصف الأخير من السنة. ممكن أن يكون امتداد للأول إذا كان الهدف كبير وخطواته كثيرة ومن الممكن أن يكون الهدف قد تحقق ومن ثم نستطيع أن نختار هدف آخر.

ثانياً التقويم السنوي:

أحدد الأيام المهمة بالسنة، وأخصص ألوان معينة لتلوين اليوم بعد إنتهائه مثل اخضر لليوم السعيد، وأحمر لليوم الحزين، أزرق لليوم الذي أحقق فيه إنجازات، وبرتقالي لليوم الذي لا استطيع فيه عمل أي شيء، بنفسجي لليوم العادي. يساعدني على أخذ نظرة شاملة على مشاعري خلال السنة.

ثالثاً التقويم الشهري:

اكتب فيه المواعيد والالتزامات الاجتماعية فقط مثلاً موعد طبيب، اجتماع عمل، موعد سفر. وفي المكان المخصص لل GMAECHANGER اكتب مصاريف الشهر بالتفصيل ليسعادني على فهم وضعي المادي واتخاذ بعض القرارت. يوجد أيضا قسم لتحديد المشاريع التي يجب العمل عليها خلال هذة الشهر سواءاً كانت مشاريع شخصية أو عمل. استخدتها مرة واحدة ولم التزم بها مع ذلك أرى انها إضافة رائعة للتقويم الشهري.

رابعاً التقويم الأسبوعي:

يختلف عندي هذا القسم من أسبوع لآخر، في بعض الأسابيع تكون مكتظة بالمهام والفعاليات فأدون كل ما أريد فعله وما حدث وما أريد أن اتذكره بالتفصيل هنا وبعض الأسابيع تكون خفيفة وفارغة وهذا لا بأس به. مع أن الأيام مقسمه لساعات وبالعادة أرفض هذة الفكرة عند شرائي لمنظم جديد إلا أنه في ال Passion Planner لا يؤثر حقيقة كثيرا لوجود مكان مخصص لقائمة المهام، فأستطيع كتابة قائمتي في مكانها المخصص واستخدام المساحة المقسمة للساعات كما يحلو لي. ولأن حسي الفني ضئيل جداً فإن المساحة البيضاء المخصصة للرسومات في مفكرتي تظل دائما بيضاء.

خامساً الانطباع الشهري:

من أكثر الاقسام التي أهملتها في لسنوات الماضية وأحببتها جدا هذة السنة فخصصت لها آخر يوم في الشهر للعمل عليها. هي عبارة عن مجموعة اسئلة يطلب مننا الجواب عليها نهاية كل شهر. أول سؤالين اعتبرها دروس مستفادة من الشهر المنصرم ثم أربعة اسئلة مخصصه عن الأهداف التي أريد تحقيقها وكيف يجري العمل عليها والمقصود هنا طبعا الأهداف الذي سبق تحديدها في قسم مخطط الأهداف. والجواب هنا يساعدني على إعادة توجية البوصلة وتقييم العمل على أهدافي خلال الشهر المنصرم. وبالأخير سؤال عما أريد اتركيز عليه في الشهر المقبل وذلك لأبدأ الشهر الجديد وقد حددت الهدف الذي أريد التركيز عليه وتحسين العمل على تحقيقه.

سادساً قسم الكتابة الحرة:

  • قسم الصفحات الفارغة عنونته بقسم ال Brain Dump وهو القسم الذي التجي إليه عادة عند تراكم الأشياء والضياع. أفرغ كل ما افكر به والخطط التي أريد تنفيذها بدون أي ترتيب للأفكار. إذا رأيت أحد الأفكار قابله للتنفيذ بدأت بنقلها للمخطط الأسبوعي والعمل علبها. وإذا لم يعجبني شيء أهملت المكتوب بالكامل وقد استفدت من تفريغ مخي للعمل عى شيء آخر.
  • قسم الصفحات المنقطة مخصص لتتبع، مثل تتبع رحلة إنقاص الوزن و تتبع مهام مؤجلة قديمة سواءاً كانت مهامي أو مهام زوجي أو مهام مشتركة، و تتبع قراءات السنة … الخ من الأفكار اللانهائية.

والميزة الرائعة في ال Passion Palnner أنهم يوفرون نسخة مجانية على موقعهم يمكنكم طباعتها وتجربتها قبل الشراء. كانت تدوينه ممتعه لي وأنا اكتبها وأتمنى أن تكون ممتعه لكم وأنتم تقرؤنها.

تولستوي والعلاج المعرفي السلوكي

عند الحديث عن العلاج النفسي والذي أصبح أمر غير مستغرب في الآونة الآخيرة -بل ويتصدرقوائم عنواين البودكاستات المختلفة- لطالما لفت انتباهي مصطلح “العلاج المعرفي السلوكي” لأنه علاج بدون المخاطرة، ظننت أنه آمن وسهل وما أجهلني. أردت بشدة الخوض فيه وتجربته ولكن لماذا نفتح الأبواب المغلقة ونحن لسنا بحاجه لذلك. فقررت الاطلاع عليها من باب الاطلاع فقط والسبيل إليه كان كتاب “العقل قبل المزاج” وذلك حين تحدثت عنه ممن أثق في حكمهن فقررت اعطاء هذا الكتاب فرصة. قبل اسبوعين اختلقت عذر للطلب من جرير كعادتي لأستطيع أن اطلب ما أريد من الكتب، وهذة حيله اعتدت عليها في صغري حتى اقنعهم بالذهاب وشراء ما أريد ولم استطع أن اتخلص منها حتى الآن. وكان كتاب “العقل قبل المزاج” من ضمن هذة الكتب.

لم أجرب من قبل قراءة هذا النوع من الكتب ولا حتى طريقة القراءة المقترحة له، فالكاتب يقترح أن نقرأ ما نحتاج فقط من الكتاب وأن نقرأه على مهل ولا ننتقل للأجزاء الأخرى حتى نتأكد من إتمامنا للمهارة المطلوبة. أنهيت الكتاب خلال أسبوعين تقريباً وأراها سريعة جداَ على الكتاب حيث يقترح الكاتب تحديد ما نود علاجه وتطبيق المهارات عليه حتى يتم العلاج تماماً والذي بدوره يستغرق وقت طويل من الزمن. فقررت أن أقر كل الكتاب وعند التطبيق أعود للأجزاء التي احتاج فيها للكتابة ونقل ما احتاجه من جداول إلى مذكرتي للحفاظ على خصوصيتي. اعلم أن تطبيق التمارين في الكتاب يتطلب عزيمة وصبر واجتهاد لإنهائه لأنه علاج، والعلاج نصبرعلى مرارته لنتذوق حلاوة الصحة الجسدية والنفسية في هذة الحالة.

بشكل عام وبصوره سريعة الكتاب يعالج الأفكار التي تؤثر في حالتنا المزاجية، يقترح استخدام سجل الأفكار لمساعدتنا على فهم لماذا أصابتنا في هذة الحالة المزاجية من فكرة معينه ويساعدنا على إيجاد بديل للفكرة وأراه حل رائع ومناسب إذا أردنا معالجة أمر طارئ وموقف حدث للتو. ولكن أكثر ما أعجبني هو البحث في الافتراضات الدفينة والقناعات الجوهرية ومعالجتها ومن ثم وضع الخطط البديلة وتنفيذها ويقدم أدوات لتقييم التقدم. سأحاول الالتزام بهذة الخطة قدر المستطاع وربما اكتب تدوينة مستقبلاً عن النتائج.

لا أستطيع إنكار فضل الكتاب في مساعدتي على كسر قاعدة القراءة لدي، والتي تلزمني بقراءة ما بين يدي حتى أنهيه وقراءة كتاب واحد فقط. كنت أتمنى أنني استطيع كسر القاعدة وحققه لي الكتاب خصوصًا أنني قراءته بعد ما أنهيت الحرب والسلم وأصابتني تخمه لا أعلم علتها. هل هو تولتسوي؟ هل هي الأجزاء الأربعة؟ هل هي عدم قدرتي على التجول خارج أسوار موسكو وقصورها؟ أم أن كل هذا اجتمع مع قاعدتني في القراءة. كل ما اعلمه أنني توقفت عن القراءة لمدة شهر أو يزيد وأنني أحاول الحبو إليها من جديد.